الشيخ محمد رشيد رضا

113

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يلي ذلك محاجة أهل الكتاب من اليهود ممهدا لها بالامر بعبادة اللّه وحده والنهي عن الشرك والامر بالاحسان بالوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والجيران ، وتشنيع البخل وكتمان نعم اللّه ووعيد الكفر وعصيان الرسول . وذلك في بضع آيات ليس فيها من آيات الاحكام شيء الا ما ختمت به من آية التيمم المفتتحة بالنهي عن الصلاة في حال السكر . ثم صرح بعدها بحكاية أحوال اليهود في دينهم وأخلاقهم ، وبين ما في ذلك من العبر ، وما يستحقون عليه من الوعيد ، ليعلم منه سنة اللّه وحكمه فيمن يعمل مثل عملهم ، وتكون حاله كحالهم ، كما وعد من كان على ضد ذلك وهو الايمان والصلاح لأجل العبرة والقدوة . وذلك من آية 43 إلى 56 ولما كان في بيان أحوال اليهود ذكر لحالهم في الملك لو كان لهم نصيب منه وهو الأثرة وحرمان غيرهم من أقل منفعة ، بين عقبه ما يجب أن تؤسس عليه الحكومة الاسلامية وهو أداء الأمانات إلى أهلها ، والحكم بين الناس كلهم بالعدل بلا محاباة ، وإطاعة اللّه فيما جاء في الكتاب من الاحكام ، وإطاعة رسوله فيما مضت به سنته من بيانها والقضاء بها أو باجتهاده ( ص ) ، وأولي الامر وهم أهل الحل والعقد فيما يضعون للناس من النظام المدني والسياسي مما يحتاجون اليه بحسب المصالح العامة في كل عصر ، فيكون ما يضعونه مطاعا في الدرجة الثالثة ثم شرع في بيان أحوال المنافقين وأخلاقهم وما يجب ان يعاملوا به وأهم ذلك أحوالهم ومعاملتهم في وقت القتال ، وبهذه المناسبة ذكرت أحكام وحكم ومواعظ كثيرة تتعلق بالقتال والهجرة والأمان وقتل الخطأ والعمد وصلاة الخوف والسفر ، وقد أكد في أثناء هذه الآيات أمر طاعة اللّه ورسوله . فهذا سياق بدئ به من آية 57 وانتهى إلى 103 بعد هذا جاءت آيات في خطاب الرسول بالحكم بين الناس بما أراه اللّه في كتابه والإشارة إلى واقعة أراد بعضهم ان يحابي الرسول فيها بعض المسلمين على أهل الكتاب ، وعقبها بما يناسب هذا المقام من الوعظ والوعد والوعيد ولا سيما وعيد من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، ثم مسألة جواز المغفرة لما عدا الشرك « تفسير القرآن » « 15 » « الجزء السادس »